فخر الدين الرازي

720

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

للمفسرين في هذه الآية ، ما نقل عن الحسن أنه قرأ ، لأقسم على أن اللام للابتداء ، وأقسم خبر مبتدأ محذوف ، معناه لأنا أقسم ويعضده أنه في مصحف عثمان بغير ألف واتفقوا في قوله ، ولا أقسم بالنفس اللوامة على لا أقسم ، قال الحسن معنى الآية أني أقسم بيوم القيامة لشرفها ، ولا أقسم بالنفس اللوامة لخساستها ، وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة وقال لو كان المراد هذا لقال : لأقسمن لأن العرب لا تقول : لأفعل كذا ، وإنما يقولون : لأفعلن كذا ، إلا أن الواحدي حكى جواز ذلك عن سيبويه والفراء ، واعلم أن هذا الوجه أيضا ضعيف ، لأن هذه القراءة شاذة ، فهب أن هذا الشاذ استمر ، فما الوجه في القراءة المشهورة المتواترة ؟ ولا يمكن دفعها وإلا لكان ذلك قدحا فيما ثبت بالتواتر ، وأيضا فلا بد من إضمار قسم آخر لتكون هذه اللام جوابا عنه ، فيصير التقدير : واللّه لأقسم بيوم القيامة ، فيكون ذلك قسما على قسم ، وإنه ركيك ولأنه يفضي إلى التسلسل القول الثالث : أن لفظة لا وردت للنفي ، ثم هاهنا احتمالان الأول : أنها وردت نفيا لكلام ذكر قبل القسم ، كأنهم أنكروا البعث فقيل : لا ليس الأمر على ما ذكرتم ، ثم قيل أقسم بيوم القيامة ، وهذا أيضا فيه إشكال ، لأن إعادة حرف النفي مرة أخرى في قوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ مع أن المراد ما ذكروه تقدح في فصاحة الكلام . الاحتمال الثاني : أن لا هاهنا لنفي القسم كأنه قال : لا أقسم عليكم بذلك اليوم وتلك النفس ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنا قادرون على أن نفعل ذلك ، وهذا القول اختيار أبي مسلم وهو الأصح ، ويمكن تقدير هذا القول على وجوه أخر أحدها : كأنه تعالى يقول : لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب فإن هذا المطلوب أعظم وأجل من أن يقسم عليه بهذه الأشياء ويكون الغرض من هذا الكلام تعظيم المقسم عليه وتفخيم شأنه وثانيها : كأنه تعالى يقول : لا أقسم بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب ، فإن إثباته أظهر وأجلى وأقوى وأحرى ، من أن يحاول إثباته بمثل هذا القسم ، ثم قال بعده : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] أي كيف خطر بباله هذا الخاطر الفاسد مع ظهور فساده وثالثها : أن يكون الغرض منه الاستفهام على سبيل الإنكار والتقدير ألا أقسم بيوم القيامة . ألا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر والنشر حق . المسألة الثانية : ذكروا في النفس اللوامة وجوها أحدها : قال ابن عباس : إن كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة سواء كانت برة أو فاجرة ، أما البرة فلأجل أنها لم لم تزد على طاعتها ، وأما الفاجرة فلأجل أنها لم لم تشتغل بالتقوى ، وطعن بعضهم في هذا الوجه من وجوه الأول : أن من يستحق الثواب لا يجوز أن يلوم نفسه على ترك الزيادة ، لأنه لو جاز منه لوم نفسه على ذلك لجاز من غيره أن يلومها عليه الثاني : أن الإنسان إنما يلوم نفسه عند الضجارة وضيق القلب ، وذلك لا يليق بأهل الجنة حال كونهم في الجنة ، ولأن المكلف يعلم أنه لا مقدار من / الطاعة إلا ويمكن الإتيان بما هو أزيد منه ، فلو كان ذلك موجبا للوم لامتنع الانفكاك عنه وما كان كذلك لا يكون مطلوب الحصول ، ولا يلام على ترك تحصيله والجواب : عن الكل أن يحمل اللوم على تمني الزيادة ، وحينئذ تسقط هذه الأسئلة وثانيها : أن النفس اللوامة هي النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى . ثالثها : أنها هي النفوس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الطاعة ، وعن الحسن أن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه ، وأما الجاهل فإنه يكون راضيا بما هو فيه من الأحوال الخسيسة ورابعها : أنها